أبي طالب المكي

339

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

كالمهاجرين والأنصار ، وكانوا نزاع القبائل ، أسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفّة المسجد ، وقسم الله عزّ وجلّ لهم الأموال ، ثم إنّ الله سبحانه وتعالى أفرد طبقة سابعة عن جمل هؤلاء الستة ، ووصفهم بأحسن الصفات ، وفضّل أجور المتّقين بطيب الاكتساب عليهم الطالبين وجه الله عزّ وجلّ فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) * [ البقرة : 267 ] . وقال : * ( وما تُنْفِقُوا من خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) * [ البقرة : 272 ] . وكل هذا متصل متعلق بقوله عزّ وجلّ : * ( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ الله لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً في الأَرْضِ ) * [ البقرة : 273 ] . إلى آخر أوصافهم . فوصفهم بالإحصار في سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها ، وأنهم لا يلتحفونها التحافا لزهدهم فيها وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلا ، فهذه الطائفة فوق الطبقات الموسومة بالصدقات المقسوم عليها الزكوات ، بل أمر المؤمنين بالإنفاق عليهم من الاكتساب للطيّبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم . والله تبارك وتعالى لا يحبّ عبدا إلَّا وصفه ، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته له في المدح والوصف ، دليل على الحبّ والمحبّة ، تدل على الفضل العظيم . كما قال تعالى في آخر وصف المحبين : * ( ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ من يَشاءُ ) * [ المائدة : 54 ] . وقد قال بعض الصوفية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : يد المعطي هي العليا ويد المعطى هي السفلى . إنّ المعطى هو الفقير وإنّ المعطي هو الغني ، ويصلح أن يستدلّ له بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من الآخرة وعطاؤه منها ، فصار هو المعطى وصار الغني هو المعطي . ويكون دليل هذا القول الخبرين الآخرين قوله : إنّ الصدقة تقع بيد الله سبحانه وتعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل ، فقد صارت يد الفقير هي العليا . والخبر الآخر : يد الله العليا ويد المعطي الوسطى فهذا يصحح أنّ الفقير هو المعطى إذا كان يد الله تبارك وتعالى فوقه لأنها هي التي تضع في يده العطاء فكانت يده هي الوسطى . فإن قيل : قد رتب الأيدي بقوله تعالى : يد الله هي العليا ويد المعطي هي الوسطى ويد المعطى هي السفلى ، فينبغي أن يكون المعطي هو الغني إذا كان العطاء يظهر عندنا على الترتيب . قيل له : إنّ يد الله تبارك وتعالى فوقهما معا وهي لا تدخل تحت الترتيب ، فيده سبحانه وتعالى العليا عليهما جميعا . قال تبارك وتعالى : يد الله فوق أيديهم وقد علمنا أنّ أيديهم بعضها فوق بعض . ثم أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو المعطي الأوّل لهما جميعا ، فكما لا أول ، أول منه في العطاء ، فكذلك لا يد فوق يده في الإعطاء ، وإنما الترتيب بين الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد الله تعالى فقلنا : إنّ المعطي في الحقيقة إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ويدوم لا ما يفنى ويزول ، وذلك هو العطاء من